السيد الطباطبائي

38

تفسير الميزان

تتمتعون متاع الحياة الدنيا ، وبالرفع في قراءة غيره وهو خبر لمبتدء محذوف ، والتقدير هو أي بغيكم وعملكم متاع الحياة الدنيا . وعلى كلتا القراءتين فقوله : ( متاع الحياة الدنيا ) إلى آخر الآية ، تفصيل لاجمال قوله : ( انما بغيكم على أنفسكم ) فقوله ( متاع ) الخ ، في مقام التعليل بالنسبة إلى كون بغيهم على أنفسهم من قبيل تعليل الاجمال بالتفصيل وبيانه به . قوله تعالى : ( انما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ) إلى آخر الآية ، لما ذكر سبحانه في الآية السابقة متاع الحياة الدنيا مثل له بهذا المثل يصف فيه من حقيقة امره ما يعتبر به المعتبرون ، وهو من الاستعارة التمثيلية وليس من تشبيه المفرد بالمفرد من شئ وان أوهم ذلك قوله : ( كماء أنزلناه ) ابتداء ، ونظائره شائعة في أمثال القرآن ، والزخرف الزينة والبهجة ، وقوله : ( لم تغن ) من غنى في المكان إذا أقام فيه فأطال المقام ، والباقي ظاهر . قوله تعالى : ( والله يدعوا إلى دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم ) الدعاء والدعوة عطف نظر المدعو إلى ما يدعى إليه وجلب توجهه وهو أعم من النداء فان النداء يختص بباب اللفظ والصوت ، والدعاء يكون باللفظ والإشارة وغيرهما ، والنداء انما يكون بالجهر ولا يقيد به الدعاء . والدعاء في الله سبحانه تكويني وهو ايجاد ما يريده لشئ كأنه يدعوه إلى ما يريده ، قال تعالى : ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده ) اسرى : 52 أي يدعوكم إلى الحياة الأخروية فتستجيبون إلى قبولها ، وتشريعي وهو تكليف الناس بما يريده من دين بلسان آياته ، والدعاء من العبد لربه عطف رحمته وعنايته إلى نفسه بنصب نفسه في مقام العبودية والمملوكية ، ولذا كانت العبادة في الحقيقة دعاء لان العبد ينصب فيها نفسه في مقام المملوكية والاتصال بمولاه بالتبعية والذلة ليعطفه بمولويته وربوبيته إلى نفسه وهو الدعاء . وإلى ذلك يشير قوله تعالى : ( وقال ربكم ادعوني استجب لكم ان الذين